فوزي آل سيف
40
النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي
5/ وفيما يرتبط بالعقيدة السليمة البعيدة عن الغلو فقد أنشأ الإمام عليه السلام نصًّا كاملًا بليغًا، ينظر بعينين نضاختين تجريان بالمعرفة، إلى خط الغلو فتركز على بشرية الأئمة عليهم السلام، وأنهم عباد الله المخلصون، والدعاة إلى منهاجه، والسائرون على طريقه وأنهم الذين عظموا جلال الله وأقاموا أحكامه وبذلوا أنفسهم في مرضاته.. هذا لأهل الغلو. وبالعين الأخرى: إلى تيارات التقصير فضلا عن البغض والنصب ليقول لهم: هؤلاء البشر هم محال معرفة الله ومساكن بركة الله وخزنة علم الله وأوصياء رسول الله الذين عصمهم الله من الدنس وأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.. فهلم بنا عزيزي القارئ لنبحر في محيط الزيارة الجامعة الكبيرة المروية عن الإمام الهادي عليه السلام. الزيارة الجامعة الكبيرة دورة معارف عقائدية من جملة ما ترك لنا الإمام علي الهادي من معارف الدين، الزيارة الجامعة الكبيرة، وهي زيارة يزار بها المعصومون عليهم السلام، وليست خاصة بواحد منهم. وقد ورد ذكرها في عدد من كتب الحديث، منها كتاب من لا يحضره الفقيه[129]للشيخ الصدوق، وكذلك في كتابه الآخر عيون أخبار الرضا عليه السلام ونقلها عنه شيخ الطائفة الطوسي في تهذيب الأحكام[130]وقام بشرحها الكثير من العلماء، فالغالب أن كل من تعرض لشرح الكتابين (الفقيه والتهذيب) قد شرحها بشكل مفصل أو مختصر، بل إنها شُرحت من علماء آخرين بشكل مستقل.[131] 1/ ينبغي أن يلاحظ القارئ الكريم أن لزيارة (مشاهد وقبور) المعصومين دورين مهمين: عاطفيًّا قلبيًّا وروحيًّا يقوم بربط الزائر أكثر فأكثر بالمعصوم، ويشعره بالانتماء إليه، وآخر معرفيًّا وعقيديًّا وذلك عندما يقرأ نص الزيارة ويخاطب بها المعصوم المَزُور، ولا سيما إذا كان نص تلك الزيارة مرويًّا عن المعصومين أنفسهم. ونعتقد أنه لهاتين الجهتين ـ ولغيرهما ـ وردت الروايات الكثيرة الواعدة بالثواب العظيم على زيارة قبورهم. ولا سيما إذا كان عارفًا بحقهم، ودور نصوص هذه الزيارات أنها تزيد المعرفة بهم وتبين للزائر حقهم على الخلق وعليه. 2/ الزيارة المعروفة بالجامعة الكبيرة، سميت بالجامعة لأن بالإمكان زيارة المعصومين بها،[132]وتوصيفها بالكبيرة لأن هناك زيارات جامعة ولكنها أقصر منها متنا وأصغر. وقد رأى بعض علماء الإمامية أن هذه الزيارة معتبرة، بل هي" أصح الزيارات سندًا، وأعمُّها موردًا، وأفصحُها لفظًا وأبلغُها معنىً، وأعلاها شأنًا".[133]
--> 129 ) الصدوق؛ محمد بن علي بن بابويه: من لا يحضره الفقيه٢/٦٠٩، روى محمد بن إسماعيل البرمكي قال: " حدثنا موسى بن عبد الله النخعي قال: قلت لعلي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام علمني يا بن رسول الله قولا أقوله، بليغا كاملا إذا زرت واحدا منكم، فقال: إذا صرت إلى الباب فقف واشهد الشهادتين وأنت على غسل، فإذا دخلت ورأيت القبر فقف وقل: " الله أكبر، الله أكبر - ثلاثين مرة -، ثم امش قليلا، وعليك السكينة والوقار، وقارب بين خطاك، ثم قف وكبر الله عز وجل - ثلاثين مرة - ثم ادن من القبر وكبر الله - أربعين مرة - تمام مائة تكبيرة، ثم قل.. 130 ) الطوسي؛ محمد بن الحسن: تهذيب الأحكام ٦/٩٥ 131 ) وقد أشار السيد علي الميلاني في موقعه الالكتروني إلى أن صاحب الذريعة ذكر لها نحو عشرين شرحا. ونحيل القارئ العزيز الذي يطلب التفصيل إلى شرح السيد الميلاني حفظه الله لها، وقد قدم لها بما يستفاد من الوجوه لتصحيح صدورها عن المعصوم ودراسة سندها ومتنها بتحقيق متين. وطبع ذلك الشرح في كتاب بعنوان: مع الأئمّة الهداة في شرح الزيارة الجامعة الكبيرة. 132 ) مع تأمل بعض العلماء في زيارة النبي صلى الله عليه وآله بها باعتبار أنها تخاطب المعصومين بـ ( وإلى جدكم بعث الروح الأمين) وكذلك بعض المعاني الموجودة فيها حيث أنها ناظرة إلى خلافتهم للنبي فهي لا تناسب النبي المصطفى، وإن كان أكثر فقراتها تنطبق عليه بالصورة الأعلى والأكمل. وكذلك ما يرتبط بالصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها السلام فإنها وإن كانت داخلة في أغلب فقرات إلا أن الزيارة موجهة لـ ( الإمام)، وهكذا فإن بعض فقراتها لا يقصد بها بعض الأئمة كما هو الحال في فقرة ( لائذ بقبوركم) فهي لا تشمل الإمام المهدي عجل الله فرجه حيث أنه حي يرزق كما يعتقد الإمامية. 133 ) المجلسي: بحار الأنوار٩٩/١٤٦